فصل: تفسير الآيات (1- 15):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التفسير القرآني للقرآن



.سورة الشمس:

نزولها: مكية.. نزلت بعد سورة القدر.
عدد آياتها: خمس عشرة آية.
عدد كلماتها: أربع وخمسون كلمة.
عدد حروفها: مائتان وأربعون حرفا.
مناسبتها لما قبلها:
أشارت سورة البلد إلى الإنسان، وإلى ما أودع اللّه سبحانه وتعالى فيه من قوى تميز بين الخير والشر، إذ يقول سبحانه: {وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ}.
وفى سورة الشمس بيان شارح للنجدين، إذ يقول سبحانه: {وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها} ثم أشارت الآيات بعد هذا إلى موقف الإنسان من هذين النجدين، إذ يقول جل شأنه: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها}.
فالمناسبة بين السورتين ظاهرة.
بسم اللّه الرحمن الرحيم.

.تفسير الآيات (1- 15):

{وَالشَّمْسِ وَضُحاها (1) وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها (2) وَالنَّهارِ إِذا جَلاَّها (3) وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها (4) وَالسَّماءِ وَما بَناها (5) وَالْأَرْضِ وَما طَحاها (6) وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها (7) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها (9) وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها (10) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها (11) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها (12) فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها (13) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها (14) وَلا يَخافُ عُقْباها (15)}.
التفسير:
قوله تعالى: {وَالشَّمْسِ وَضُحاها}.
هذه أقسام عدّتها أحد عشر قسما، أقسم اللّه سبحانه وتعالى بها، مفتتحا السورة الكريمة.. الشمس، وضحى الشمس، والقمر، والنهار، والليل، والسماء، وبناؤها، والأرض، وبسطها. ثم النفس، وما ركّب فيها.
وفى هذه الأقسام نرى ستة منها متزاوجة، متقابلة.. فالشمس يقابلها القمر، والنهار يقابله الليل، والسماء تقابلها الأرض.. ثم نرى الشمس، والنهار، والسماء، يقابلها على التوالي: القمر، والليل، والأرض.
وإذ نبحث عن مقابل للنفس، لا نجد هذا المقابل، الذي يستدعيه سياق النظم في ظاهره.
فإذا أمعنا النظر قليلا، نجد أن النفس تضمّ في كيانها شيئين متقابلين، هما: الفجور والتقوى، أو إن شئت فقل، الشمس والقمر، أو النهار والليل، أو السماء والأرض.
ففى كيان النفس، نور وظلام، ونهار وليل، وعلوّ وسفل.
فإذا تعمقنا النظر، وجدنا الشمس تمثل العقل، والقمر يمثل الضمير، الذي تستضيء بصيرته من العقل، كما يستمد القمر نوره من الشمس.. وللعقل شروق وغروب. فإذا اتجه إلى الحق أسفر عن وجهه وكان نهارا مبصرا، يتحرك الإنسان فيه على هدى وبصيرة.. وإذا اتجه إلى الباطل غربت شمسه، وأطبق ليله، وعمّيت على صاحبه السبل، ودرست معالمها.
ثم إذا أخذ الإنسان طريق الحق اتجه صعدا نحو معالم النور، فكان أقرب إلى عالم السماء منه إلى عالم الأرض.. أما إذا ركب مركب الضلال، فإنه يهبط منحدرا حتى تغوص أقدامه في التراب، وقد يتدلّى حتى يكون حشرة من حشرات الأرض، أو دودة من ديدانها.
وننظر في أجزاء هذه الصورة التي رسمتها الآيات القرآنية للإنسان من داخل نفسه كما تحدثت عنها آيات الكتاب الكريم.
{وَالشَّمْسِ وَضُحاها}.
الواو هنا للقسم، وما بعدها من واوات هي حرف عطف، تعطف هذه الأقسام بعضها على بعض.
هكذا يكون الإنسان حين مولده.. إنه أشبه بالشمس في إشراقه ووضاءته.
إنه الإنسان في أحسن تقويم، كما خلقه الخالق جل وعلا، قبل أن تنعقد في سمائه سحب الضلالات، وتهبّ عليه أعاصير الحياة محملة بالغثاء والتراب.
{وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها}.
هو الإنسان الذي خيمت عليه موروثات الآباء والأجداد في بيئة الكفر والضلال، فلعبت بعقله، وحجبت شمس فكره، ثم بقي معه بعد ذلك شيء من شعاع العقل، يجده مندسّا في ضميره، مختزنا في فطرته.. فيقف في مفترق الطريق بين الهدى والضلال، بين أن يرجع إلى عقله، ويحتكم إلى رأيه، أو ينساق مع هواه، ويتّبع ما كان عليه آباؤه {وَالنَّهارِ إِذا جَلَّاها}.
فإذا غلب الرأى على الهوى، وأخذ الإنسان طريق الحق، عاد إلى العقل سلطانه، وتجلت في الإنسان آيات شمسة، فأضاءت كل شيء حوله.
{وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها}.
وأما إذا غلب الهوى على الرأى، وأخذ الإنسان طريق الباطل، فقد غربت شمس العقل، وعميت بصيرة الإنسان، واشتمل عليه ليل دامس، لا نجم في سمائه ولا قمر.
{وَالسَّماءِ وَما بَناها} والإنسان الذي أمسك بعقله، واستجاب لسلطانه، هو- كما قلنا- إلى عالم السماء أقرب منه إلى عالم الأرض.. إنه الإنسان الذي خلقه اللّه في أحسن تقويم.
{وَالْأَرْضِ وَما طَحاها} هو الإنسان الذي زهد في عقله، وأسلم زمامه لهواه، فكان بعضا من هذه الأرض.
إنه الإنسان الذي ردّه اللّه أسفل سافلين.
{وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها} هي النفس الإنسانية على إطلاقها.. إنها مستعدة الهدى والضلال، فاردة قلاعها إلى جهتى الخير والشر.. هكذا صاغها الخالق جل وعلا، من النور والظلام، من نفحات السماء، ومن تراب الأرض. {فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها} أي آتاها اللّه سبحانه وتعالى القدرة على الاتجاه نحو اليمين أو الشمال، نحو الخير أو الشر، نحو الإيمان أو الكفر.. هكذا يرى الإنسان القدرة من نفسه على التحرك في هذين الاتجاهين.
{قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها}.
هو الواقع عليه هذه الأقسام، فهو جوابها.. إن السعيد من الناس، من زكّى نفسه وطهرها فحلصها من تراب الأرض، وأطلق روحه من أسر المادة، فحلّقت به في عالم الحق والنور.
وإن الشقي من دسّى نفسه، أي أخفاها، وغطّى عليها بكثافة المادة وظلامها، وعاش حبيسا داخل هذه القوقعة التي نسجها حول نفسه، لا يرى، ولا يسمع، ولا يتحرك.
و{ما} في قوله تعالى: {وَالسَّماءِ (وَما) بَناها وَالْأَرْضِ (وَما) طَحاها وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها} هي {ما} المصدرية، أي والشمس، وبنائها، والأرض وبسطها، والنفس وتسوية خلقها.
فقوله تعالى: {وَما بَناها} أي وما بنى السماء، وأقامها من غير عمد.
وهو ما أودع اللّه سبحانه وتعالى فيها من قوى ممسكة بها، ضابطة لنظامها، حافظة لوجودها.
وقوله تعالى: {وَما طَحاها} أي وما طحا الأرض، أي بسطها، وأمسك بها أن تميد.. وهو النظام الذي يمسك كيانها ويحفظ وجودها.
وقوله تعالى: {وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها} أي وما سوى خلقها، وأمدها بالقوى العالمة فيها.
فالقسم هنا، قسم بالشيء، والصفة التي قام عليها.. وهذا يعنى مزيدا من التشريف والتكريم للشيء المقسم به إذ كان في ذاته أهلا للقسم، ثم كانت صفاته أهلا للقسم أيضا.
وقوله تعالى: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها}.
هو عرض للمواجهة الضالة التي اتجه إليها أهل الضلال، مؤثرين إياها على طريق الحق والهدى.. إنهم لم يزكّوا أنفسهم، ولم يرتفعوا بالجانب الطيب المشرق منها، بل آثروا جانب الفجور، وأفردوا قلوع سفينتهم في اتجاه ريحه العاصفة.
{ثمود}، هم قوم صالح عليه السلام، دعاهم نبيهم إلى الإيمان باللّه فبهتوه، وكذبوه.. {قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ} [62: هود] وقد توعدهم نبيهم بالعذاب، وأنذرهم به، ووضع بين أيديهم آية من آيات اللّه، هي الناقة، وجعل وقوع العذاب الذي أنذروا به رهنا بأن يتعرضوا لتلك الناقة بسوء: {وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ} [64- 65 هود] وقوله تعالى: {بطغواها} أي بسيب طغواها، أي بطغيانها، ومجاوزتها الحد في العدوان على حرمات اللّه- كان تكذيبها برسول اللّه وبآيات اللّه.
وقوله تعالى: {إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها} أي ولقد بلغت ثمود غاية الطغيان والعدوان، حين {انبعث أشقاها} أي اندفع هذا الشقي من أبنائها في جنون صارخ، نحو الناقة، يريد عقرها، فلم يقف في طريقه أحد، ولم ينصح له ناصح، بل تركوه يمضى إلى حيث سوّلت له نفسه، عقر الناقة، فعقرها، فعمهم البلاء، جميعا، وكان صاحبهم هذا أشقى هؤلاء الأشقياء الذين تركوه، ولم يأخذوا على يده.
قوله تعالى: {فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها} أي حين رأى صالح ما يريد هذا الشقي بالناقة من سوء، حذّر القوم من أن يرتكبوا هذه الحماقة المهلكة.. فقال لهم: {ناقة اللّه} أي احذروا ناقة اللّه، وإياكم أن تمسوها بسوء، أو تعرضوا لها يوم شربها، وأن تمنعوها السّقيا في يومها المرسوم لها.
وقوله تعالى: {فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها}.
أي أنهم لم يستمعوا نصح صالح لهم، ولم يصدقوا ما أنذرهم به، ولم يأخذوا على يد هذا الشقي، بل تركوه حتى عقر الناقة! وقوله تعالى: {فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ} أي أخذهم اللّه جميعا بالعذاب، فلم يبق منهم باقية بسبب هذا الجرم الغليظ الذي كان منهم.
والدمدمة: الإهلاك لجماعى، الذي لا يبقى ولا يذر.
وقوله تعالى: {فسواها} أي أطبق عليهم الأرض، فلم يبق لهم ولا لديارهم أثر عليها، بل سويت الدور بالأرض، كأن لم يكن عليها شيء.
والضمير وهو (ها) في قوله تعالى {فسواها} يعود إلى الأرض، التي يشير إليها قوله تعالى: {فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ} لأن الدمدمة، أي التسوية مما يفعل بالأرض، لا بالناس.
وقوله تعالى: {وَلا يَخافُ عُقْباها}.
أي أن اللّه سبحانه فعل بهم ما فعل، واقتلعهم من الأرض اقتلاعا، دون أن يحول بينه وبين ما فعل بهم حائل، أو يحاسبه محاسب.. إنه فعل ذلك بعدله وقوته، وسلطانه، الذي لا معقب عليه.
وذكر الخوف هنا تمثيل، يراد منه الإشارة إلى هذا التدمير الشامل، المتمكن، فإن الذي يخاف عاقبة أمر لا تتسلط عليه يده تسلطا كاملا، بل يحول بينه وبين تصرفه المطلق فيه، خوف الحساب والجزاء، ممن يحاسبه ويجازيه.
وتعالى اللّه سبحانه عن ذلك علوا كبيرا.

.سورة الليل:

نزولها: مكية.. نزلت بعد سورة الأعلى.
عدد آياتها: إحدى وعشرون آية.
عدد كلماتها: إحدى وسبعون كلمة.
عدد حروفها: ثلاثمائة وعشرة أحرف.
مناسبتها لما قبلها:
ختمت سورة الشمس بهذا العذاب الذي أوقعه اللّه سبحانه بثمود، فغشيهم العذاب واشتمل عليهم، ولفّهم برداء أسود كئيب.
وبدئت سورة الليل بالقسم بالليل إذا يغشى، فكان ظلام هذا الليل كفنا آخر لثمود، يصحبهم في قبورهم التي ابتلعنهم، ويقيم عليهم راية سوداء تحوّم عليهم، كما تحوّم الغربان على الجيف!! بسم اللّه الرّحمن الرحيم.

.تفسير الآيات (1- 21):

{وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى (1) وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى (2) وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (3) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (4) فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى (10) وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى (11) إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى (12) وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى (13) فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى (14) لا يَصْلاها إِلاَّ الْأَشْقَى (15) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (16) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (17) الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى (18) وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى (19) إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى (20) وَلَسَوْفَ يَرْضى (21)}.
التفسير:
قوله تعالى: {وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى} قسم بالليل حين يغشى ظلامه الكائنات، ويغطّى سواده وجه الأرض.
وبدء السورة بهذا القسم- كما قلنا- هو أشبه براية سوداء تحوّم على مواطن ثمود، التي دمدم اللّه عليها، كما تحوم الغربان على الرمم.. ثم إنه من جهة أخرى، يمثل الجانب الأعظم من جانبى الإنسانية، جانبى الكفر والإيمان، والضلال، والهدى، والظلام والنور.. فأغلب الناس على ضلال، وقليل منهم المهتدون، كما يقول سبحانه: {وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [103: يوسف] وفى التعبير بفعل المستقبل {يغشى} عن ظلام الليل- إشارة إلى أن الظلام عارض دخيل، يعرض للنور الذي هو أصل الوجود، كما يعرض الضلال للفطرة الإنسانية التي خلقها اللّه تعالى صافية لا شية فيها.
وقوله تعالى: {وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى} معطوف على قوله تعالى: {وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى}.
وهو قسم بالنهار إذا ظهر، وتجلّى على الوجود ضوءه.
وفى تقديم الليل على النهار، إشارة إلى هذا الظلام الذي كان منعقدا في أفق الحياة الإنسانية حين كانت ثمود تتحرك بطغيانها على الأرض، فلما دمدم اللّه عليهم الأرض، ورمى في أحشائها بهذا الظلام- عاد إلى الحياة صفاؤها، وطلع نهارها!! وقوله تعالى: {وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى}:
معطوف على قوله تعالى: {وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى} و{ما} هنا مصدرية.. أي وخلق الذكر والأنثى، وما أودع الخالق في كلّ منهما من آيات علمه، وحكمته، ورحمته.
والذكر والأنثى، هو مطلق كل ذكر، وكل أنثى، في عالم المخلوقات.
والذكر والأنثى تتم دورة الحياة وتعاقب الأجيال، كما بالليل والنهار يتولد الزمن، وبتكاثر نسله من الليالى والأيام! وقوله تعالى: {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى} هو جواب القسم، وهو المقسم عليه.
والسعى: العمل في كل وجه من وجوه الحياة.. و{شتّى} أي شتيت مختلف الوجوه، متغاير الألوان.. فلكل إنسان وجهته التي هو مولّيها، وطريقه الذي يسلكه، وهيهات أن يتطابق إنسان وإنسان تطابقا تاما، حتى ولو أخذا وجها واحدا، ودانا بدين واحد.
ففى الناس المؤمن والكافر، وفى الناس المنافق الذي يجمع بين الكفر ولإيمان.. والمؤمنون، درجات، ومنازل، والكافرون، أنماط وصور، والمنافقون وجوه وأشكال.
واختلاف سعى الناس، أمر بدهىّ، يراه كل إنسان: المؤمنون والكافرون، والمحسنون والمسيئون جميعا.. فكل ذى عينين يشهد أن الناس طرائق قدد، وإلّا لاجتمعوا على عقيدة واحدة، ومذهب واحد، واتجاه واحد، فيما يأخذون أو يدعون من أمور.. هذه بديهة لا تحتاج إلى توكيد- فلم جاءت الآيات القرآنية مؤكدة لها بهذا القسم؟
والجواب على هذا، هو أن التوكيد بالقسم وإن وقع على المقسم عليه، وهو اختلاف سعى الناس- إلا أن المنظور إليه هو ما وراء هذا الاختلاف في المسعى، وهو أن هناك محسنين ومسيئين.. وهذا أمر يدعو العاقل إلى أن ينظر إلى نفسه وأن يفتش عن مكانه في المحسنين أو المسيئين، إذ كل إنسان عند نفسه أنه محسن، وحتى المحسن حقيقة، يقدر أن إحسانه مطلق لا تقع منه إساءة، وهذا غير واقع، فالمحسن ليس سعيه كله قائما على ميزان الإحسان، بل إن سعيه مختلف، فيه الحسن، وفيه السيّء، فلا ينبغى أن يسوّى حساب أعماله بينه وبين نفسه على ميزان الإحسان دائما.. بل يجب أن ينظر في كل عمل، ويعرضه على ميزان الحق، والعدل، والخير، فإن اطمأن إليه، ورضى عنه، أمضاء، وإلا عدل عنه.
قوله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى}.
والناس في عمومهم، يدخلون تحت وصفين عامّين: مؤمنون وكافرون، أو محسنون ومسيئون.
فأما من أعطى، أي أنفق في سبيل اللّه، وفى وجوه الخير والإحسان، متّقيا بذلك ربّه، خائفا عذابه، طامعا في ثوابه {وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى} أي مؤمنا بما للعمل الطيب من قدر، معتقدا أنه العمل الأفضل والأحسن، لا أن يكون ما يصدر منه من أعمال الخير تلقائيا، وعفوا، لا تشده إليه إرادة صادقة، أو قصد محسوب حسابه، مقدرة آثاره.. وهذا يعنى أن الأعمال إنما تحكمها النيات الباعثة لها، الداعية إليها.. أما العمل الذي لا تنعقد عليه نية، ولا ينطلق من إرادة، فإنه سهم طائش، ورمية من غير رام.. وهذا ما يشير إليه الرسول الكريم بقوله: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرى ما نوى».
وفى إطلاق الفعل {أعطى} من قيد الشيء المعطى- إشارة إلى أمرين:
أولهما: أن ما يعطى لابد أن يكون شيئا طيبا نافعا لأن الإعطاء يقابله الأخذ، والإعطاء والأخذ لايتّمان إلا برغبة متبادلة بين المعطى والآخذ.. والآخذ لا يأخذ إلا ما ينفعه ويرضيه.
والأمر الآخر الذي يشير إليه إطلاق الفعل، هو أنه لا حدود للإعطاء، قلّة أو كثرة، كما يقول سبحانه: {ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ} (91: التوبة) وقوله تعالى: {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى} أي أن من أخذ طريق الحق، وشدّ عزمه عليه، وصرف همه نحوه، يسّر اللّه له طريقه، وأعانه على المضي فيه، لأنه طريق اللّه، ومن كان على طريق اللّه، لم يحرم عونه، وتوفيقه.
وقوله تعالى: {وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى}.
وعلى عكس هذا من يبخل بماله، ويضنّ ببذله في سبيل اللّه، وفى وجوه الخير، ومن وراء هذا البخل تكذيب بالإحسان، وبخس لقدره، واعتقاد بعدم جدواه- من يفعل هذا، فهو على طريق الضلال، يرصده عليه شيطان يغريه ويغويه، ويدفع به دفعا على هذا الطريق.. وهذا يعنى أن اللّه سبحانه وتعالى ييسّر لكل إنسان طريقه الذي يضع قدمه عليه.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: {مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ} [39: الأنعام] أي من يشأ اللّه إضلاله، أخلى بينه وبين نفسه، على طريق الضلال، وقيض له شيطانا، فهو له قرين، ورفيق، على هذا الطريق كما يقول سبحانه: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} [36: الزخرف].. ومن يشأ اللّه هدايته أقام وجهه على طريق الهدى، وزوده بالزاد الطيب الذي يعينه على مواصلة السير فيه.. وفى هذا يقول الرسول الكريم: «اعملوا فكلّ ميسر لما خلق له..».
والعسرى: ضد اليسرى.. وهى من العسر، والتعقيد، بخلاف اليسرى فإنها من اليسر والسهولة.. وسميت طريق الضلال عسرى لأنها طريق مظلم، لا معلم من معالم الهدى فيه، وإن صاحبه ليظل يخبط في ظلام، ويتردّى في معاثر حتى يرد مورد الهالكين.. أما طريق الهدى، فهى طريق واضحة المعالم، لا يضل سالكها أبدا.. {أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ} [22: الملك].
وقوله تعالى: {وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى} أي أن الذي يخل بماله، وضمن بالإنفاق منه في وجوه الخير، لن ينفعه هذا المال الذي أمسكه، ولن يجد منه عونا، إذا هو تردّى في هاوية الجحيم!.
والتردي: الهوىّ والسقوط من عل.
وقوله تعالى: {إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى} أي إن علينا أن نبين للإنسان طريق الهدى، ونكشف له عنه، بما أودعنا فيه من عقل، وما بعثنا إليه من رسل، وما أنزلنا من كتب.. فهذه كلها أنوار كاشفة تكشف للإنسان عن وجه الحق والخير، وعن وجوه الضلال والشر.
ثم إن للإنسان أن يختار الطريق الذي يسلكه.
فالهدى، غير الهداية.. ولهذا جاء النظم القرآنى: {إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى} ولو جاء هكذا: إن علينا للهدآية لكان على اللّه أن يهدى الناس جميعا، وأن يكون ذلك على سبيل القهر والإلزام، وهذا مالم يقع في حكمة اللّه، ولم يكن من تدبيره سبحانه وتعالى.. بل جعل اللّه للإنسان كسبا يكسبه بإرادته، وعملا بعمله باختياره، حتى يحقق وجوده كإنسان، ويثبت ذاتيته كخليفة اللّه على الأرض.. وبهذا يستأهل الثواب والعقاب!، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: {وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها} [13: السجدة].. وهذا لا يتعارض مع ماللّه سبحانه من مشيئة مطلقة غالبة.. ولكنّ مشيئة اللّه تدور في فلكها مشيئة الإنسان، التي بها يقضى في أموره، ويأخذ الطريق الذي يختاره ويرضاه.
فالإنسان- فيما يرى نفسه- مطلق المشيئة، وإن كان مقيدا، حرّ الإرادة، وإن كان مجبرا.
وقوله تعالى: {وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى}.
للمفسرون مجمعون على أن الآخرة، هي الحياة الآخرة، وأن الأولى هي الحياة الدنيا.
والرأى عندنا- واللّه أعلم- أن الآخرة والأولى، هما اليسرى والعسرى، اللتان أشار إليهما سبحانه وتعالى في الآيات السابقة.. وفى ذلك إشارة إلى أن اختيار الإنسان لليسرى أو العسرى، وإن بدا أنه اختيار مطلق، هو مقيد بمشيئة اللّه، محكوم بإرادته، إذ كلّ مردّه إلى اللّه، في واقع الأمر، وكلّ صائر إلى حكمه، وما قضى به في عباده: {وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ} [29: التكوير].. ربّ العالمين {مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ} [39: الأنعام].
وقوله تعالى: {فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى}.
وهذا مما أشار إليه سبحانه وتعالى في قوله: {إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى}.
ومن هذا الهدى ما أنذر اللّه به عباده، على يد رسله، من عذاب أليم في الآخرة، لمن رأى الضلال، وسلك مسالكه، ورأى الهدى، فحاد عنه، وصرف نفسه عن طريقه.
وقوله تعالى: {وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى وَلَسَوْفَ يَرْضى}.
والسلامة من هذا البلاء، والنجاة من ذلك العذاب، إنما هي لمن اتقى اللّه، وخاف عذابه، وأنفق المال طالبا زكاة نفسه، وتطهيرها، مبتغيا بذلك وجه ربه الأعلى، المالك كلّ شيء، القائم على كل شيء، لا يريد بما أنفق جزاء ولا شكورا من أحد من عباد اللّه.. فمن فعل ذلك ابتغاء وجه اللّه، أرضاه للّه وأقرّ عينه بما عمل.. إنه أرضى ربه، فكان حقّا على اللّه أن يرضيه.
وفى لفظ {الأشقى} و{الأتقى} ما يفيد المبالغة في كل من الشّقوة والتقوى، وفى هذا ما يدعو الشقي إلى التخفف مما يزيد في شقوته، حتى لا يزداد بذلك عذابه، كما يدعو التقىّ أن يزداد في تقواه ما استطاع، حتى يزداد بذلك بعدا من النار، وقربا من الجنة.